|
فسحة الصالحين
ذهب المعتصم ليعود عاملاً من عماله وكان لهذا العامل ولد ذكي الفؤاد سريع الخاطر
حاضر الجواب فلما رآه المعتصم قال له : (( داري أحسن أم دار أبيك ؟ ))
فقال الغلام: ما دام أمير المؤمنين في داري أبي فهي أحسن. فسر منه , ثم أراه
خاتمه الذي بيده وقال له : (( هل رأيت أحسن من هذا الخاتم ؟)) قال: نعم يا أمير
المؤمنين اليد التي هو فيها. فسر المعتصم لذكاء الغلام وسرعة خاطره وانتزع الخاتم
من يده وكافأه به وأنشد قائلاً:
نعم الإله على العباد كثيرة وأجلـــهن نجابــة الأولاد
كسرى ومؤدبه:
كان لكسرى مؤدب نال على يديه التقدم والرقي فضرب كسرى ذات يوم من غير
ذنب ليذوق ألم الظلم فلا يظلم وهو ملك. فتألم كسرى وبحث عن ذنب فعله فلم
يجد.فلما تولى الملك أمر بإحضار مؤدبه فجاء فقال له كسرى: في يوم كذا
ضربتني ولا ذنب لي فقال: أيها الملك العادل رأيت أنك ستكون ملكاً ذا قول نافذ,
وحكم مسموع فأرت أن أذيقك ألم الظلم وأنت صغير حتى لا تلجأ إليه وأنت كبير
فتعيش آمناً مطمئناً. فشكر له عمله ورفع منزلته.
معاوية وزياد:
طلب زياد رجلاً فلجأ إلى أمير المؤمنين معاوية واحتمى به فكتب
زياد إلى معاوية يقول له: إن هذا الين مسيء لشئوني ومفسد لأعمالي
إذا طلبت امرأ لجأ إليك ولاذ بك فكتب معاوية إليه يقول: إنه لا ينبغي
لنا أن نسوس الناس بسياسة واحدة فيكون مقامنا مقام رجل واحد
ولكن فلتكن أنت للشدة والخشونة ولأكن أنا للرأفة والرحمة فيستريح
الناس فيما بيننا.
خالد بن برمك وقحطبة:
مما ينبغي أن يتصرف به صاحب المملك أن يكون بأعلى مكانه من اليقظة
والاستدلال بقليل القول على كثيرة , كما روي عن خالد بن برمك أنه كان مع
قحطبة في معسكره جالسين في خيمة إذ نظر خالد إلى سرب من الظباء كاد
يخلط العسكر فأشار على قحطبة بالركوب فسأله عن السبب فقال: الأمر
أعجل من أن أبين سببه فركب وأركب العسكر فلم يستتموا الركوب إلا والعدو
قد دهمهم وقد استعدوا له بغير بطء فكانت النصرة لهم على العدو فلما انقضى
الحرب سأل قحطبة خالداً: من أين أدركت ذلك؟ فقال: رأيت الظباء وقد خالطت
العسكر فعرفت أنها لم تفعل ذلك مع نفورها من الإنس إلا لأمر عظيم قد داهمها
من ورائها. فهكذا تكون اليقظة ويكون الانتباه , والحذر أمان من الخطر.
الأسد والثعلب وابن التاجر:
أرس أحد التجار ولده في تجارة فرأى في طريقه ثعلباً طريحاً يتلوى من الجوع
فقال: من أين يتغذى هذا المسكين؟ وإذا بأسد أقبل يحمل فريسته فانزوى الولد
وهو يرتعد ثم راقب الأسد حتى أكل فريسته وترك منها بقيه لا خير فيها
ومضى فقام الثعلب وأكل من فضالة الأسد فأراد الولد أن يقتدي بالثعلب ورجع
إلى أبيه وأخبره بما رأى فقال له والده: إنك مخطئ يا بني وإني أرجو أن تكون
أسداً تأكل الثعالب ما أبقيت , ويسوءني أن تكون ثعلباً تأكل من بقايا الأسود
وتشربمن سؤرها ورده عن خطئه وقال:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه فكن طالباً في الناس أعلى المراتب
حسبي الله وكفى:
عن زائد أبو معاذ قال: أن رجلاً أصابه مرض الجذام حتى ظن أهله أنه ليس
عليهم بأس أن يخرجوه فظن هو أنه لا يسعه أن ينزل معهم , فبنوا له بيتاً
فتحول إليه فبينما هو ذات ليلة في بعض الليل إذ مر به ثلاث نسوة فقالت
إحداهن لأخرى: من هذا؟فقالت الأخرى: هذا فلان المبتلى قالت: لو أنه قال:
حسبي الله وكفى,سمع الله لمن دعا,ليس وراء الله مرمى قال: فحفظهن الرجل
فجعل يقولهن, فما توارى عنه سوادهم حتى مسح ما به, فقام ما به من ألم ولا
علة....حتى أتى أهله.
وإذا سألت فاسأل الله:
قال القاضي حسين:
كنت عند القفال, فأتاه رجل قروي وشكا إليه أن حماره أخذه بعض أصحاب
السلطان, فقال له القفال: أذهب إلى المسجد وصل ركعتين واسأل الله تعالى:
أن يرد عليك حمارك.فأعاد عليه القروي كلامه,فأعاد القفال, فذهب القروي
ففعل ما أمره به وكان القفال قد بعث من يرد حماره فلما فرغ من صلاته رد
الحمار فلما رآه على باب المسجد,خرج, وقال: الحمد لله الذي رد علي حماري
فلما انصرف, سُئل القفال عن ذلك,فقال: أردت أن أحفظ عليه دينه كي يحمد الله.
|